محمد سعيد رمضان البوطي

190

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

آية عدم الإيمان باللّه تعالى أو ضعفه في النفس . ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال . أما المؤمنون حقا فالمشكلة غير متصوّرة لديهم من أساسها ، فلذّة الحياة الدنيا في يقينهم ، أقل شأنا من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها إلى خالقه ، وما التضحية بالروح في يقينهم إلا الانطلاقة من سجن الدنيا إلى نعيم الآخرة ، وأنعم بها من غاية هي كل أمل المسلم في حياته التي يعيشها . وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة في الأبيات التي قالها خبيب عند مقتله ، خاصة في آخر بيت منها ، وهو قوله : ولست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا ، إني إلى اللّه مرجعي إجلاء بني النضير وكان في شهر ربيع الأول ، سنة أربع للهجرة . روى ابن سعد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خرج يوم السبت ، فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ، ثم أتى بني النضير ، فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمّري وكان لهما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جوار وعهد ، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف ، وذلك على ما رواه ابن إسحاق وغيره ، فقالوا : « نفعل يا أبا القاسم ما أحببت . وخلا بعضهم ببعض وهمّوا بالغدر . وقال عمرو بن جحاش النّضري : أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة - وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واقفا إلى جنب جدار من بيوتهم - . وزاد ابن سعد أن سلام بن مشكم ( وهو من يهود بني النضير ) قال لهم : لا تفعلوا ، واللّه ليخبرنّ بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه « 41 » . فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخبر بما همّوا فنهض سريعا كأنه يريد حاجة ، وتوجه إلى المدينة . ولحقه أصحابه ، فقالوا : قمت ولم نشعر ! . . قال : « همّت يهود بالغدر ، فأخبرني اللّه بذلك فقمت » . ثم أرسل إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أن اخرجوا من بلدي فقد هممتم بما هممتم به من الغدر ، وقد أجّلتكم عشرا ، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه . فأخذوا يتهيئون للخروج ، ولكن عبد اللّه بن أبي بن سلول أرسل إليهم : أن لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم ، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم يقاتلون عنكم . فعادوا عما أزمعوا عليه من الخروج وتحصنوا في حصونهم ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم باعداد العدة لحربهم ، والسير إليهم . .

--> ( 41 ) طبقات ابن سعد : 3 / 99